نصر حامد أبو زيد

25

الاتجاه العقلي في التفسير

موجودة في الجزيرة العربية ، وفي المدينة خصوصا ، منذ فترة باكرة وقبل البعثة النبوية « فعند اليهود والنصارى أن النبي إيليا قد رفع إلى السماء ، وأنه لا بدّ أن يعود إلى الأرض في آخر الزمان لإقامة دعائم الحق والعدل ، ولا شك أن إيليا هو الأنموذج الأول لأئمة الشيعة المختفين الغائبين ، الذين يحيون لا يراهم أحد ، والذين سيعودون يوما كمهديين منقذين للعالم » 48 وإذا كنا لا ننكر التأثير غير المباشر للفكر اليهودي أو المسيحي ، ونربطه بواقع المجتمع الاسلامي ، فإننا لا نتقبل ببساطة تلك الفكرة الساذجة التي ترى في هذه الأفكار محاولة مقصودة لهدم الاسلام من الداخل عن طريق اعتناقه وتخريبه بعقائد أجنبية « فالحركة العلوية نشأت في أرض عربية بحتة ولم تمتد إلى العناصر الاسلامية غير السامية إلّا خلال ثورة المختار ، بل إن قواعد نظرية الإمامة ، والفكرة الثيوقراطية المناهضة لنظرية الحكم الدنيوية ، وكذا الفكرة المهدية التي أدّت إليها نظرية الإمامة والتي تجلّت معالمها في الاعتقاد بالرجعة ينبغي ان نرجعها كلها ، كما رأينا ، إلى المؤثرات اليهودية والمسيحية . كما أن الإغراق في تأليه علي ، الذي صاغه في مبدأ الأمر عبد اللّه بن سبأ ، حدث في بيئة سامية عذراء لم تكن قد تسربت إليها بعد الأفكار الآرية ، وانضم لهذه الحركة في بدء قيامها جموع غفيرة من العرب ، حتى أن أول الواضعين لجزء من مبادئ التجسيم والحلول قوم لا شك أنهم من الجنس العربي الصميم » 49 ويؤكّد ابن خلدون فكرة التأثير غير المباشر حين يقول « وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم . ولا يعرفون من ذلك . ( يعني من بدء الخليقة وأسرار الوجود ) إلّا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب » 50 . ولا شك أن النزعة التجسيدية والتشبيهية كانت كامنة في نفوس بعض العرب الذين كانوا ما يزالون قريبي عهد بالجاهلية ، وكان الانتماء لعلي بن أبي طالب باعتباره ابن عم رسول اللّه وزوج ابنته وأقربهم إليه يعبّر عن عاطفة دينية عميقة خصوصا في ظروف تعرّض فيها المجتمع الاسلامي لمحنة التمزق الداخلي . ولم يكن معاوية - بكل تاريخ أسرته في محاربة الاسلام - بالذي يستطيع أن يجمع حوله قلوب المسلمين وإن استطاع أن يشتري سيوفهم . بعد انتهاء الصراع لصالح الحزب الأموي ، واستسلام الحسن بن علي له فيما سمي بعام الجماعة على شرط أن يجعل الأمر بعده شورى للمسلمين ، سكن الشيعة لبعض الوقت حتى بدأ معاوية يأخذ البيعة لابنه يزيد . ومع خلافة يزيد كان واضحا أن الدولة الدينية تتحوّل إلى ملك كسروي وراثي . وإذا أضفنا إلى ذلك